فوق وجعهم وجع.. التغيير الديمغرافي خطر يرعب أهل سوريا

كان وما زال التغيير الديمغرافي في سوريا أحد أهم الملفات التي شغلت السوريين خلال السنوات الأخيرة.ورغم أن هذا التغيير لم يكن وليد الأحداث التي عاشتها البلاد خلال السنوات التسع الماضية حصرا، إنما بدأ منذ

فوق وجعهم وجع.. التغيير الديمغرافي خطر يرعب أهل سوريا
كان وما زال التغيير الديمغرافي في سوريا أحد أهم الملفات التي شغلت السوريين خلال السنوات الأخيرة. ورغم أن هذا التغيير لم يكن وليد الأحداث التي عاشتها البلاد خلال السنوات التسع الماضية حصرا، إنما بدأ منذ وصول الرئيس السابق حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، إلا أنه صار واضحاً وجلياً أكثر خلال السنوات الماضية، وذلك مع اتساع نطاق المناطق التي هجر النظام أهلها، حيث استبدل الأهالي بموالين له من طائفته. ورغم أن النظام وإيران هما أكثر المتورطين بملف التغيير الديمغرافي في سوريا، إلا أن القوى العسكرية الفاعلة في الجغرافيا السورية ساهمت أيضاً في عمليات التغيير الديمغرافي، إما بشكل ممنهج، أو تبعاً لعمليات عسكرية شهدتها بعض المناطق. "العربية.نت" تستعرض أهم المناطق التي شهدت تغييراً ديمغرافياً في بلد أرهقته الحرب منذ 10 سنوات. البداية من حمص بدأت العملية مع تهجير أبناء ريف حمص، والقصير، وكذلك الامتداد الإيراني في العاصمة دمشق، والقوانين التي أصدرها النظام لـ"شرعنة" التغيير الديمغرافي، وكذلك هجرة المسيحيين من محافظة إدلب، واستمرت بعدها مع تهجير أهالي الغوطة الشرقية، واتفاق المدن الأربع، والأوضاع في شرق سوريا، وعفرين بريف حلب. فقد شهدت أحيـاء حمـص منذ بدايات الثورة السورية ملاحقة واعتقال الناشطين الفاعلين في الحراك السلمي، ثم مع ظهور فصائل الجيش الحر، كثفت قوات النظام حملات القصف والتدمير الممنهج، ما دفع الكثير من أبناء تلك الأحياء لمغادرة المدينة، قبل اجتياح قوات النظام لحي "بابا عمرو" أوائل عام 2012، ثم حصار أحياء حمص القديمة، وصولاً إلى أول اتفاق لإجلاء الأهالي المحاصرين منها برعاية أممية عام 2014. ويتهم نشطاء الثورة النظام بتوطين الموالين له في الأحياء التي سيطر عليها، بغية تغيير البنية الديمغرافية للمدينة، التي شكل "السنة" فيها السواد الأعظم، حيث كشف فراس الحافظ المنحدر من حي باب السباع في حمص، لـ" العربية.نت"، وهو ناشط في مجالي الإعلام والإغاثة، عن أن حملات الاعتقال والقصف الممنهج واجتياح الأحياء، كانت أول الأسباب لهجرة السكان الأصليين، ومع اجتياح حي بابا عمرو، ثم حصار أحياء حمص القديمة، وخروج سكانها منها باتفاق رعته الأمم المتحدة عام 2014، بدأ النظام يعمد إلى توطين مواليه من العلويين، وفيما بعد المقاتلين الشيعة، في الأحياء السنية التي سيطر عليها، وفقاً لقوله. حزب الله وبوابة "القصير" في السياق أيضاً، شكلت مدينة القصير التابعة لمحافظة حمص، بوابة دخول حزب الله بشكل علني واضح إلى جانب النظام، فالمدينة الحدودية لها أهمية بالغة بالنسبة لقيادات الحزب، لاتصالها الجغرافي الطبيعي بلبنان، وقربها من مناطق نفوذ الحزب في لبنان. كما انحياز المدينة إلى الحراك الشعبي منذ البداية جعلها هدفاً للحزب، الذي أحكم سيطرته عليها صيف 2013، بعد هروب أهلها منها تحت وطأة عمليات عسكرية مكثفة نفذها حزب الله بدعم من النظام. ويؤكد الصحافي السوري أحمد القصير، وهو من مدينة القصير، كان غادر المدينة مع سقوط المدينة بيد حزب الله، في تصريح لـ"العربية.نت"، أنّ "ما يقارب من 5 آلاف نسمة عادوا إلى القصير، فيما بلغ تعداد المدينة وريفها بالكامل قبل الحراك تقريباً 100 ألف نسمة، وأضحت بعدها تقريباً 75% من أبنية المدينة مدمرة، فيما عاد أهلها إلى المدينة عودة مشروطة بموافقات أمنية كثيرة، فأهل المدينة الذين نزحوا إلى المدن السورية المجاورة يحتاجون إلى تقديم طلبات إلى شعبة الحزب التابع للنظام، ومنها إلى اللجنة الرباعية الأمنية، وغالباً تأتي الردود بالرفض، أما أهالي المدينة الموجودون في لبنان، فيتقدمون بطلبات العودة إلى الأمن العام، الذي يرسلها بدوره إلى النظام السوري، وأيضاً غالبية الردود تأتي بالرفض، وبعد اتفاق المدن الأربع، انتقلت إليها عوائل شيعية قدمت من بلدتي كفريا والفوعة". وأضاف: "طبعاً هناك حركة شراء عقارات نشطة من قبل مقربين من حزب الله، يشترون المنازل بأرقام خيالية بسبب انخفاض العملة السورية، وتردي الأوضاع الاقتصادية". دمشق أكبر مطامع إيران لم تكن حركات "التشييع" جديدة على سكان العاصمة السورية دمشق، فالنظام منح إيران امتيازات كبيرة في أحياء عدة من العاصمة، لاسيما حي "السيدة زينب"، إذ تدفقت الاستثمارات الإيرانية إلى الحي بسرعة في السنوات التي سبقت اندلاع الاحتجاجات، وارتفع عدد الوافدين الإيرانيين إلى الحي بشكل ملحوظ. من جهته، أكد كبير مفاوضي المعارضة سابقاً المحامي محمد صبرا، لـ"العربية.نت"، أنّ دمشق شكلت مركز السياسة والاجتماع والاقتصاد في سوريا للنظام وإيران وميليشياتها منذ عام 1981، بدأوا عملياً تغييراً ديمغرافياً واسعاً لكنه بطيء في محيط دمشق الجنوبي. وذكر مثالاً منطقة "السيدة زينب"، والتي كان عدد سكانها لا يتجاوز 60 ألف نسمة عام 1981، غالبيتهم من أبناء القرية الأصلية، والباقي نازحون من الجولان ولاجئون فلسطينيون، فيما يبلغ الآن عدد سكانها حوالي 600 ألف نسمة، حيث سهل النظام لإيرانيين وعراقيين وأفغان شراء المنازل والأراضي، وبناء مؤسسات تعليمية وإدارية في السيدة زينب، وبلغ عدد الحوزات الشيعية الإيرانية 22 حوزة قبل عام 2011، وتحولت المدينة لأهم المراكز الشيعية في العالم خارج العراق وإيران، وأصبح أغلبية سكانها من أصول عراقية وإيرانية وأفغانية". قوانين ومراسيم تشرعن التغيير الديمغرافي لم يكن غريباً استكمال عمليات التهجير، وتوطين موالين للنظام في أحياء غادرها أهلها، بإصدار مراسيم وقوانين من قبل الرئيس بشار الأسد لـ"تشرعن" وفق معارضين عمليات التغيير الديمغرافي في البلاد. فقد رصدت "العربية.نت" أبرز القوانين والمراسيم التي سهلت العملية، بينها المرسوم 66، والقانون 10، وسلسلة من الأحكام القضائية بحق المعارضين لمصادرة أملاكهم، والحجز الاحتياطي على أملاكهم، وقانون السماح بتملك الأجانب في سوريا، كذلك القانون 19، لتأسيس شركات قابضة، وبناء على هذا القانون، أُنشئت شركات قابضة تملكت عقارات في منطقة دمشق، وأصدر أيضاً قانوناً عام 2016 لإيقاف تسجيل الحقوق العقارية في المناطق الخارجة عن سيطرته، فضلاً عن مراسيم تسمح بمصادرة ممتلكات المعارضين، وأيضاً قانون تأسيس محاكم الإرهاب، ومنح النائب العام صلاحية الحجز الاحتياطي على أموال المعارضين المحالين بموجب هذا القانون لمحكمة الإرهاب. وتؤكد مصادر "العربية.نت" في دمشق، أن "التشيع" ينتشر في أحياء العاصمة بتسهيل النظام، لا سيما في أحياء سيطرت عليها الفرقة الرابعة، وهُجر أهلها منها، حيث لم يسمح النظام للأهالي بالعودة، كالقابون وداريا، حيث تنتشر حواجز الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد المقرب من إيران. وأضافت المعلومات أن حركة بيع كبيرة لتجار إيرانيين ورجال أعمال إيرانيين نشطت كثيراً في أحياء دمشق القديمة وأسواقها، حيث يشتري هؤلاء العقارات والمحال التجارية بأسعار باهظة لترغيب السكان الأصليين في البيع، بالإضافة للترهيب، والحرائق المتكررة في الأسواق التجارية التي أدت لخسائر بمئات ملايين الليرات للتجار". سلوك ممنهج وأكد عضو الائتلاف الوطني السوري المعارض ياسر الفرحان في اتصال مع "العربية.نت"، أنّ "نظام الأسد بسلوك ممنهج متعمد يمارس تغييراً ديمغرافياً، عبر عنه بشار الأسد بقوله "أصبحت سوريا مجتمعاً متجانساً"، يعلن من خلاله حصاده الجرمي بتهجير 13 مليون سوري، وهو تأكيد لخطته المسبقة التي أعلنها أحد مسؤوليه عام 2011 بأنهم يريدون إعادة سكان سوريا إلى 8 ملايين. ونوّه بأن التغيير الديمغرافي لديه استراتيجية نفذها النظام بعدة آليات، مثل ملاحقة الناشطين واعتقالهم وتصفيتهم، وتسريب قوائم المطلوبين لدفعهم إلى مغادرة البلاد، ثم قصف المدن وحصارها وإجراء مصالحات تفضي إلى تهجير السكان، ثم مصادرة ممتلكاتهم، ثم محاولة شرعنة انتهاك حقوق السكن بإصدار المراسيم والتشريعات، ليثبت الوقائع ويمنع فرص ودوافع عودة المهجرين، وإخلال آخرين يتبعون إيران والنظام مذهبياً وسياسياً"، بحسب تعبيره. المسيحيون في إدلب من المعروف أن محافظة إدلب شمال سوريا تضم 8 تجمعات رئيسية للمسيحيين، يتركزون في مدينة إدلب، ومدينة جسر الشغور، وقرى القنية، اليعقوبية، الجديدة، حلوز، الغسانية، البرج، معظمهم يتبعون لطائفة الروم الأرثوذكس، بالإضافة إلى البروتستانت، واللاتين، والأرمن الأرثوذكس. ومع سيطرة فصائل المعارضة على كامل المحافظة ربيع 2015، ومن ثم انتشار الفصائل المتطرفة في مناطق انتشار المسيحيين، بحسب أحد رجال الدين المسيحيين تواصلت معه "العربية.نت" وفضل عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية، غادر كثير من المسيحيين المدن والقرى التي كانوا يقطنونها. وقال الرجل: "أستطيع أن أقول لك إن مجمل من بقي في عموم المحافظة من المسيحيين، هم 220 عائلة، فقط، هذا رقم تقريبي، رصدته من خلال توزيع مساعدات لهذه العائلات قبل عام، هناك هجرة كبيرة للمسيحيين من إدلب، حيث كان تعداد المسيحيين المقيمين في المحافظة قبل اندلاع الحراك، يتراوح بين 12-14 ألفاً، عدا عن المغتربين خارج سوريا، والمقيمين في محافظات أخرى، مثلاً اليوم في مركز المحافظة، أي في مدينة إدلب، لا يوجد من المسيحيين إلا بضعة مسنين، في مدينة جسر الشغور بحسب معلوماتي لم يتبقَ أحد، أما بقية العوائل، فتوزعوا في 3 قرى محيطة بجسر الشغور هي اليعقوبية، والقنية، والجديدة". ويؤكد رجل الدين المسيحي أنّ "عمليات الخطف طلباً للفدية، والابتزاز المالي، والترهيب من قبل متطرفين كانت عوامل رئيسية ساهمت بشكل رئيسي في هجرة المسيحيين، معتقداً أن هذه الأحداث تأتي بشكل ممنهج لدفع ماتبقى لترك منازلهم، والسيطرة عليها. إلى ذلك، أكد الرجل أن عمليات التغيير الديمغرافي لم تطل القرى المسيحية فقط، بل قرى علوية كانت في ريف جسر الشغور، كالزنبقة، واشتبرق.